منتدى سواعد الإخاء

تمكين الفقه المالكي من تبوء مكانته الأساسية في الدراسات الحديثة، النشاطات والدورات والمسابقات، إحياء وبعث رسالة المسجد


    جحا بين الحقيقة والأسطورة

    شاطر
    avatar
    الشيخ زوهير بن الطيب ساسي
    مؤسس المنتدى
    مؤسس المنتدى

    عدد المساهمات : 104
    نقاط : 277
    السٌّمعَة : 0
    تاريخ التسجيل : 06/04/2010

    جحا بين الحقيقة والأسطورة

    مُساهمة من طرف الشيخ زوهير بن الطيب ساسي في الإثنين سبتمبر 20, 2010 2:02 am

    السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
    جحا بين الحقيقة والأسطورة




    جحا الإنسان الذي أضحك الملايين بنوادره الطريفة وأخباره العجيبة التي تناقلتها الألسن على مر العصور، أصبح اليوم في ذاكرة الناس مجرد شخصية خرافيّة، إلا أن المعاجم وكتب التراجم والأدب ورجال الحديث تبين لنا أن جُحا شخصية حقيقيّة لها تاريخها العريق، وماضيها المشرق الذي غَفِل عنه الأكثرون؛ نتيجة ما نُسِب إليه من النوادر والطرائف التي كرّسته رمزًا للحماقة والتغفيل.



    فمن هو جحا؟
    قبل البَدء تجدر الإشارة إلى أنّ هناك شخصيتين حملتا هذا الاسم الأوّل اختلفت المصادر بشأن اسمه، فقد قيل: نوح أو عبد الله أو دُجين أبو الغصن بن ثابت اليربوعي البصري، ولقبه (جُحا) أو (جُحى)، وكنيته أبو الغصن ينتهي نسبه إلى قبيلة فزازة العربية.

    أوّل من ذكره الجاحظ حين أَورد في كتابه "القول في البغال" نوادر بطلها جُحا دون أن يترجم له[1].

    ولد جُحا في النصف الثاني من القرن الأوّل الهجري (60هـ)، وقضى الشطر الأكبر من حياته في الكوفة، توفي فيها في خلافة أبي جعفر المنصور عام (160هـ).

    قال عنه الإمام الذهبي: "أبو الغصن صاحب النوادر دُجين بنُ ثابت اليربوعيُّ البصريُّ، رأى دُجين أنسًا، وروى عن أسلم، وهشام بنِ عُروة شيئًا يسيرًا... قال عبّاد بن صهيب: حدّثنا أبو الغصن جُحا -وما رأيت أعقل منه- قال كاتبه: لعلّه كان يمزح أيام الشبيبة، فلمّا شاخ، أقبل على شأنه، وأخذ عنه المحدِّثون"[2].

    قال الإمام البخاري: "دُجين بن ثابت أبو الغصن اليربوعي، سمع من أسلم مولى عمر، روى عنه مسلم وابن المبارك"[3].

    أمّا الحافظ ابن حجر العسقلاني فقد فرّق بين دُجين المحدّث (البصري) ونوح الذي استقرّ في الكوفة، وأورد حديثًا رواه حُجا فقال: "عن ابن عدي حدّثنا أبو خليفة، حدّثنا مسلم، حدّثنا الدجين بن ثابت الغصن، عن أسلم مولى عمر قال: قلنا لعمر، ما لك لا تحدّثنا عن رسول الله r؟ قال: أخشى أن أزيد أو أنقص، وإني سمعت رسول الله r يقول: "من كذب عليَّ متعمدًا، فليتبوأ مقعده من النار"[4].

    قال عنه ابن الجوزي: "رُوي عنه ما يدل على فطنة وذكاء، إلا أنّ الغالب عليه التغفيل، وقد قيل: إنّ بعض من كان يُعاديه وضع له حكايات، والله أعلم، عن مكي بن إبراهيم -هو مكي بن إبراهيم البلخي آخر من روى من الثقات عن يزيد بن أبي عبيد، عاش نيفًا وتسعين سنة، مات سنة 215هـ- أنّه كان يقول: رأيت جحا رجلاً كيِّسًا ظريفًا، وهذا الذي يُقال عنه مكذوب عليه، وكان له جيران مخنثون يُمازحهم ويمازحونه فوضعوا عليه"[5].

    وربّما هذا ما دفع الإمام النسائي للقول عنه: "ليس بثقة، وابن معين للقول: ليس حديثه بشيء، والدار قطني وغيره: ليس بالقوي. ولعلّ التجريح قد جاء ممّا نُسِب إليه من نوادر وفكاهات لا تليق براوي حديث، "وليس من المستحيل أن يكون محدّث البصرة قد وقع فريسة لكيد أهل الكوفة "[6].

    وقال القطب الشعراني في كتابه (المنهج المطهر للقلب والفوائد): "عبد الله جُحا تابعي، كما رأيته بخط الجلال السيوطي -الذي ألّف كتابًا عن جُحا، جوابًا لسؤال ورده مستفسرًا عنه، جَمع فيه القصص المنسوبة إليه، سمّاه (إرشاد من نحا إلى نوادر جُحا)-، قال: وكانت أمّه خادمة لأم أنس بن مالك، وكان الغالب عليه صفاء السريرة"[7]، "فلا ينبغي لأحد أن يسْخر به إذا سَمِع ما يضاف إليه من الحكايات المضحكة، بل يَسأل الله أن ينفعه ببركاته، قال الجلال: وغالب ما يُذكر عنه من الحكايات المضحكة لا أصل له، قال شيخنا: وذكره غير واحد، ونسبوا له كرامات وعلومًا جمّة"[8].

    أمّا الشخصيّة الأخرى فهي نصر الدين خُوجة المعروف بجُحا الأتراك؛ فلقد كان معلّمًا وفقيهًا وقاضيًا]9]، ولد في قرية صغيرة تدعى خورتوعام 605هـ، وتلقّى علومه فيها، ووليَ القضاء في بعض النواحي المتاخمة لها، كما ولي الخطابة في (سيوري مصار)، عُيّن مدرِّسًا وإمامًا في بعض المدن.

    كان عفيفًا زاهدًا يحْرث الأرض ويحتطب بيده، كما كانت داره محطة للوافدين من الغرباء والفلاحين[10].

    ولا يفوتنا أنْ نؤكّد في هذا المقام أنّ نصر الدين من كبار العلماء الأحناف، وأنّ أكثر اشتغاله كان بعلم الفقه، وقد أحبّه تلاميذه فأقبلوا على مجالسه يستمعون إليه، وكانوا أَكثر من 300 تلميذ، وقد غلب عليه لقب المعلّم؛ لذلك اشتهر بين أهل تركيا بالخوجة، كما كان واعظًا ومرشدًا يأتي بالمواعظ في قالب النوادر والنكات الظريفة التي لم تُزعزع مكانته في قلوب الناس.

    ومن المعروف عنه أنّه كانت له جُرأة على الحكّام والأمراء والقضاة الذين كان يدعوهم إلى السير بمقتضى الشرع الحنيف، ويحضّهم على الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وبفضل علمه الغزير الذي اعترف به علماء الأناضول استطاع الوقوف في وجه (تيمورلنك) والتصدي له في العديد من المواقف، فأَنقذ بذلك العديد من الناس من بعض مظالمه.

    توفي عام 683هـ، وضريح الشيخ موجود في مقْبرة آق شهر الكبرى[11].

    أمّا النوادر التي نُسبت إليه: "فيستحيل أن تصْدر... عن شخصية واحدة لتباعد البيئات التي تُروى عنها"[12]، وهي نتيجة ما وضعه الترْك وما وضعه غيرهم من عامّة الشعوب الشرقية الإسلامية، وبعضه ممّا وضعه غير المسلمين من جِيران العثمانيين كالأرمن[13].

    خِتامًا نقول: إنّه من الواجب علينا إعادة الاعتبار إلى هذه الشخصية التي أُخمط حقّها طوال القرون المنصرمة عندما أُلبست أثواب الطفيلين والحمقى، وذلك بـ:

    - إعادة الهويّة الإسلامية لجُحا، من خلال التركيز على شخصية جُحا المسلم، ورفض ما عداها من هويّات قوميّة أو وطنيّة (جُحا العربي - جُحا المصري - جحا التركي - جُحا الكردي - جُحا الفارسي) التي يحاول البعض إلصاقها به؛ لأنّ هذا يصبّ في مصلحة أعداء الدين، والدليل ما ورد على لسان وزير الكيان الصهيوني (أبا أبيان) عندما ألقى عام 1967م محاضرة بجامعة (برنستون) الأمريكية قال فيها: "من أوّل واجباتنا أن نُبْقي العرب على يقين راسخ بنسبهم القومي لا الإسلامي".

    - توقير جُحا بصفته رجل دين وفقيه ومحدّث، وإنزاله المنزلة التي تليق به لا السخرية منه؛ لأن تصويره بشكل كاريكاتوري فيه انتقاص من شأنه كعالم، وتغييب لدوره الإصلاحي في المجتمع من توعية الناس، ومواجهة الطُّغاة والحكّام.

    وأخيرًا.. إن الألقاب الكثيرة التي أُلصقت بشخصيّة جُحا، منها الأحمق والمغفّل والطفيلي، تتعارض مع تعاليم ديننا الحنيف التي تنصّ على عدم السخرية من الآخرين، فلقد قال الله I: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ يَسْخَرْ قَوْمٌ مِنْ قَوْمٍ عَسَى أَنْ يَكُونُوا خَيْرًا مِنْهُمْ وَلاَ نِسَاءٌ مِنْ نِسَاءٍ عَسَى أَنْ يَكُنَّ خَيْرًا مِنْهُنَّ وَلَا تَلْمِزُوا أَنْفُسَكُمْ وَلاَ تَنَابَزُوا بِالْأَلْقَابِ بِئْسَ الِاسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الْإِيمَانِ وَمَنْ لَمْ يَتُبْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ} [الحجرات: 11].

    المصدر: موقع التاريخ.


    --------------------------------------------------------------------------------

    [1] الجاحظ: القول في البغال ص37.

    [2] الإمام الذهبي: سير أعلام النبلاء 8/172، 173.

    [3] الإمام البخاري: التاريخ الكبير 3/257، 258.

    [4] الحافظ ابن حجر العسقلاني: لسان الميزان 2/415، 416، والإمام الذهبي: ميزان الاعتدال في نقد الرجال 2/23، 24، وغيرها من كتب رجال الحديث.

    [5] الحافظ ابن الجوزي: أخبار الحمقى والمغفلين ص19.

    [6] دائرة المعارف الإسلامية، ص2669.

    [7] الفيروزآبادي: القاموس المحيط ص1269، مادة جحا.

    [8] مرتضى الزبيدي: تاج العروس من جواهر القاموس 19/271.

    [9] الموسوعة العالمية، ص226.

    [10] حكمت شريف الطرابلسي: نوادر جحا الكبرى ص17.

    [11] محمد النجار: جحا العربي ص53.

    [12] عباس محمود العقاد: جحا الضاحك المضحك ص127-171.

    [13] المصدر السابق.

      الوقت/التاريخ الآن هو الإثنين أكتوبر 23, 2017 11:42 pm