منتدى سواعد الإخاء

تمكين الفقه المالكي من تبوء مكانته الأساسية في الدراسات الحديثة، النشاطات والدورات والمسابقات، إحياء وبعث رسالة المسجد


    شروط العمل بالحديث عند المالكية

    شاطر

    الهامل الهامل
    عضو جديد
    عضو جديد

    عدد المساهمات : 26
    نقاط : 65
    السٌّمعَة : 1
    تاريخ التسجيل : 16/05/2011

    شروط العمل بالحديث عند المالكية

    مُساهمة من طرف الهامل الهامل في الثلاثاء فبراير 11, 2014 11:29 am

    شروط العمل بالحديث الصحيح

    قرر أصوليو المذاهب كلها شروطا معنية للعمل بالحديث، منها ما يرجع إلى ذات الخبر، ومنها ما يعود إلى شيء خارج عنه.
    فأما التي هي راجعة إلى الخبر فقد اتفقوا أنها الشروط الخمسة المشهورة من اتصال السند برواية العدل الضابط من أوله إلى منتهاه من غير شذوذ ولا علة ، ولا خلاف بينهم في الاعتداد بهذه الشروط والضوابط.
    لكنهم اختلفوا في الشروط التي هي خارجة عن ماهية الخبر وتحديدها بين معتبر لبعضها ومنكر لها على حسب اختلاف أصولهم التي بنوا عليها مذاهبهم، أو على حسب تخصص كل واحد في علم من العلوم..
    قال الشاطبي في "الموافقات ": فإذا تقرر هذا فقد فرضوا في كتاب الأخبار مسألة مختلفا فيها ترجع إلى الوفاق في هذا المعنى، فقالوا خبر الواحد إذا كملت شروط صحته هل يجب عرضه على الكتاب أم لا؟
    فقال الشافعي: لا يجب، لأنه لا تتكامل شروطه إلا وهو غير مخالف للكتاب. وعند عيسى بن أبان يجب، محتجا بحديث في هذا المعنى وهو قوله: "إذا روي لكم حديث فاعرضوه على كتاب الله فإن وافق فاقبلوه وإلا فردوه" . فهذا الخلاف كما ترى راجع إلى الوفاق و سيأتي تقرير ذلك في دليل السنة إن شاء الله تعالى، وللمسألة أصل في السلف الصالح، فقد ردت عائشة رضي الله عنها حديث" إن الميت ليعذب ببكاء أهله عليه" بهذا الأصل نفسه لقوله تعالى ولا تزر وزرة وزر أخرى .
    وذكر الشاطبي نماذج من هذا الباب ثم قال: "وفي الشريعة من هذا كثير جدا، وفي اعتبار السلف له نقل كثير، ولقد اعتمده مالك في مواضع كثيرة لصحته في الاعتبار، ألا ترى إلى قوله في حديث غسل الإناء من ولوغ الكلب سبعا: جاء الحديث ولا أدري ما حقيقته، وكان يضعفه ويقول: يؤكل صيده فكيف يكره لعابه، وإلى هذا المعنى أيضا يرجع قوله في حديث خيار المجلس حيث قال بعد ذكره: وليس لهذا عندنا حد معروف ولا أمر معمول به....اهـ
    يبين كلام الشاطبي هذا، أن النظر في خبر الواحد للعمل به أمر معمول به من لدن الصحابة رضي الله عنهم، وتناقله عنهم أتباعهم وأتباع أتباعهم حتى قرره أصحاب المذاهب المعتبرة إلا ما كان من أمر الشافعي رضي الله عنه.
    والتوقف في الخبر إلى الاقتناع بضرورة العمل به هي وظيفة الفقيه المتمكن. ولذلك برع في هذا فقيها الأمة أبو حنيفة النعمان بن ثابت ومالك بن أنس رضي الله عنهما، ومن ثمة كثر الاعتراض عليهما واتهامهما برد الأحاديث الصحيحة خصوصا ممن لاحظ له في علم الفقه وطرق الاستنباط.
    قال الكوثري في تعليقه على كتاب الذهبي "بيان زغل العلم والطلب ": "ودقة مدارك الفقهاء قد تخفى على الرواة فيتسرعون في الحكم، فيحتاج هذا الموضوع- أي الحكم بأن فلانا ترك الحديث أو الأثر- إلى الإتقان في علم الخلاف والجدل وأصول الفقه، مع التوسع في أحاديث الأحكام وتفسيرها واختلاف الأئمة في شروط قبول الأخبار ووجود الترجيح ونحوها، والراجل في ذلك لا يحق له أن يعدو طوره".اهـ
    وهكذا يعلم أن الأئمة توقفوا في العمل ببعض الأخبار لمعارضتها قواعد كلية عندهم وأصولا قطعية لديهم.
    قال الشاطبي : "قال ابن العربي: إذا جاء خبر الواحد معارضا لقاعدة من قواعد الشرع هل يجوز العمل به أم لا ؟ فقال أبو حنيفة: لا يجوز العمل به، وقال الشافعي: يجوز و تردد مالك في المسألة، وقال: ومشهور قوله والذي عليه المعول أن الحديث إن عضدته قاعدة أخرى قال به وإن كان وحده تركه".
    ثم ذكر مسألة مالك في ولوغ الكلب قال: لأن هذا الحديث عارض أصلين عظيمين أحدهما قول الله تعالى فكلوا مما أمسكن عليكم ، والثاني أن علة الطهارة هي الحياة وهي قائمة في الكلب...إلخ والناظر في فقه المالكية يقف على أن أهم ما يترك بسببه خبر الواحد أمور خمسة: معارضته لعموم القرآن، ومعارضته لعمل أهل المدينة ومعارضته للقياس، ومعارضته لسد الذرائع وعدم علم مالك به. وهذا بيان مفصل لهذه القواعد.

    المبحث الأول : معارضة الحديث لظاهر القرآن

    يراد بظاهر القرآن عند المالكية عمومه، أي أن الظاهر عندهم هو دلالة اللفظ العام على العموم.
    ولأصوليي المذهب وغيرهم وقفة مع قضية مخالفة خبر الآحاد لعام القرآن، وخلصوا إلى أن الخبر لا يخلو أن يكون عاما أو خاصا ، فإن كان عاما ، فلا يخلو إما أن يكون عاما أريد به شيء مخصوص، أو عاما أريد به العموم، فإن كان الأول رجع إلى تخصيص القرآن به، وإن كان الثاني نظروا في طرق الجمع أو الترجيح. وأما إن كان الخبر خاصا فإنهم اختلفوا في تخصيصه لعام القرآن بين مجوز ومانع.
    قال الآمدي في "الإحكام ": "المسألة الخامسة: يجوز تخصيص عموم القرآن بالسنة، أما إذا كانت السنة متواترة فلم أعرف فيه خلافا، ويدل على ذلك ما مر من الدليل القطعي، وأما إذا كانت السنة من أخبار الآحاد فمذهب الأئمة الأربعة جوازه ومن العلماء من منع ذلك مطلقا و منهم من فصل."اهـ
    فظهر أن مالكا مع الأئمة قائل بتخصيص السنة للقرآن، وهو إعمال لهما معا. ومع ذلك ففي بعض آرائه الفقهية تعطيل الخبر إذا خالف ظاهر القرآن بدل تخصيصه به كقوله بطهارة سؤر الكلب المخالف لحديث: " إذا ولغ الكلب في إناء أحدكم فليرقه ثم يغسله سبع مرات" لعموم قوله تعالى: و ما علمتم من الجوارح مكلبين ... الآية، وكالقول بعدم الصوم عن الميت المخالف لحديث "من مات وعليه صيام صام عنه وليه" لعموم قوله تعالى: و أن ليس للانسن إلا ما سعى . إلى غيرها من الأخبار. ثم إن بعضها داخل في قسم من أخذ مالك فيه بعموم القرآن وطرح الخبر لمعارضته عمل أهل المدينة أو القياس، فهذا السبب عندي راجع إلى السببين الذين اشتهرا عند الأصوليين والذين لا ذكر في هذا الباب إلا لهما، وإنما نبهت على معارضة خبر الواحد لعموم القرآن لوجوده، وإن كان وجوده عندهم نادرا.

    المبحث الثاني: معارضة الخبر لعمل أهل المدينة

    عمل أهل المدينة مقسم عند أصوليي المذهب إلى قسمين، أحدهما أقوى في الاعتبار من الآخر.
    قسم طريقه النقل وهو أضرب ثلاثة، أحدها نقل شرعي مبتدإ من جهة النبي صلى الله عليه وآله وسلم من قول كنقل الصاع والمد والأذان والإقامة والأوقاف والأحباس ونحوه.
    وثانيها: نقل ذلك من فعل كعهدة الرقيق.
    ثالثها: نقل ذلك من إقرار كتركهم أخذ الزكاة من الخضروات، مع أنها كانت تزرع بالمدينة، و كان النبي صلى الله عليه وآله وسلم والخلفاء بعده لا يأخذونها.
    قال القاضي عبد الوهاب : " وهذا النوع حجة يلزم عندنا المصير إليه، وترك الأخبار والمقاييس لا اختلاف بين أصحابنا فيه ".
    وإنما أجمع فقهاء المالكية على الأخذ بهذا القسم من عمل أهل المدينة لأن هذا العمل يعتبر في هذه الحالة في حكم المتواتر، فإن خالف خبر الآحاد قدم عليه لأن العمل مفيد للعلم و الخبر مفيد للظن ولا يقدم ظني على قطعي باتفاق.
    قال القاضي عبد الوهاب : "والذي يدل على ما نقلناه أنهم إذا أجمعوا على شيء نقلا أو عملا متصلا فإن ذلك الأمر معلوم بالنقل المتواتر، الذي يحصل العلم به وينقطع العذر فيه، ويجب ترك أخبار الآحاد له، لأن المدينة بلدة جمعت من الصحابة من يقع العلم بخبرهم فيما أجمعوا على نقله فما كان هذا سبيله إذا ورد خبر واحد بخلافه كان حجة على ذلك الخبر و ترك له، كما لو روي لنا خبر واحد فيما تواتر به نقل جميع الأمة، أي على خلافه، لوجب ترك الخبر للنقل المتواتر عن جميعهم".
    والقسم الثاني لعمل أهل المدينة هو ما كان إجماعا عن طريق الاجتهاد والاستدلال. ولم يقع اتفاق المالكية على هذا القسم كما هو حال سابقه. بل وقع فيه خلاف بينهم، فذهب معظمهم إلى أنه ليس بحجة ولا فيه ترجيح، وهو قول كبراء البغداديين، منهم ابن بكير وأبو يعقوب الرازي وأبو الحسن ابن المنتاب وأبو العباس الطيالسي وأبو الفرج والقاضي أبو بكر الأبهري وأبو التمام وأبو الحسن بن القصار، وأنكروا أن يكون هذا مذهبا لمالك أو لأحد من معتمدي أصحابه .
    قلت: وإليه ذهب محققو المذهب في كل عصر، قال القاضي عياض في "إكمال المعلم ": " وعملهم الذي نجعله حجة، وإنما هو فيما استفاض نقلهم له وعملهم به، خلفا عن سلف من زمانه صلى لله عليه وآله وسلم. كالأذان والصاع وهذا وافق عليه المخالف، ورجع إليه أبو يوسف رضي الله عنه لمناظرته لمالك رضي الله عنه في المسألة، وأما إجماعهم فيما اختلفوا فيه من مسائل الاجتهاد فليس من العمل الذي جعله مالك رضي الله عنه حجة ". اهـ.
    وهذا الذي صرح به القاضي عياض هو ظاهر صنيع القاضي عبد الوهاب في "الإشراف"، وكذا صنيع ابن عبد البر في "التمهيد"، والقرطبي كما ذكر عنه في "التقرير و التحبير " وهو اختيار الشاطبي كما في"الموافقات" .
    ولذلك فإن عمل أهل المدينة الذي يكون من هذا الضرب لا يقدم على خبر الواحد، لكن يقوى الخبر ولذلك اعتمده المالكية في باب تعضيد الأدلة ولم يسقطوا به خبر الآحاد.

    المبحث الثالث: تعارض الخبر مع القياس

    قال القرافي في "تنقيح الفصول ": "وهو مقدم على خبر الواحد عند مالك رحمه الله، لأن الخبر إنما ورد لتحصيل الحكم، والقياس متضمن للحكمة فيقدم على الخبر".اهـ
    وهذا الذي ذكره القرافي عن مالك من تقديمه القياس على خبر الواحد وقع فيه اختلاف بين أهل المذهب. كما أشار إلى ذلك ابن القصار بقوله: " ومذهب مالك رحمه الله أن خبر الواحد إذا اجتمع مع القياس ولم يمكن استعمالهما جميعا قدم القياس عند بعض أصحابنا، والحجة له هي أن خبر الواحد لما جاز عليه النسخ والغلط والسهو والكذب والتخصيص، ولم يجز على القياس من الفساد إلا وجه واحد وهو أن هذا الأصل معلول بهذه العلة أولا، صار أقوى من خبر الواحد فوجب أن يقدم عليه.
    وقد اختلف في ذلك فقيل: خبر الواحد أولى من القياس في هذا الذي ذكرناه، وقيل القياس أولى لما ذكرناه. واختلف فيه أصحابنا، والله أعلم."اهـ
    وممن قال بالقلب – أي بتقديم خبر الواحد على القياس – وأطال النفس في تقريره الباجي فقال: "والذي عندي أن الخبر مقدم على القياس، وأنه لا يقف الاحتجاج بالخبر إذا عورض بالقياس، فإن عورض القياس بالخبر بطل الاحتجاج به ". اهـ
    وهو الذي شهره القاضي عياض عن المذهب ، وانتصر له محمد الآمين الشنقيطي في "نثر الورود " ذاكرا أن تقديم الخبر على القياس هو أصح الروايات عنه، وهي رواية المدنيين من أصحابه.
    قلت : ولعل الاختلاف على مالك في هذه القضية يدل على ثبوت الأمرين عنه كليهما، أي أنه قدم مرة القياس على الخبر وقدم الخبر على القياس مرة أخرى. وقد رأيت من أشار إلى مثل ذلك، فقد قال حلولو في شرحه على "جمع الجوامع ": "وقد قال بعض شيوخ المذهب: إن في المدونة ما يدل على القولين معا: تقديم الخبر وتقديم القياس. أما ما يدل على تقديم الخبر فمسألة المصراة، وأما ما يدل على تقديم القياس فمسألة ولوغ الكلب في الإناء"اهـ
    والذي يمكن أن يصار إليه لرفع الإشكال في هذا التضارب والاختلاف أن مالكا إنما يقدم القياس على الخبر- خلافا لما عرف عنه من العمل بالخبر إذا صح بل وإن لم يصح أحيانا- لكونه مخالفا لعمل أهل المدينة الذي لا يرى معه معارضا. فيتلخص من هذا أن الخبر إذا لم يعضد بالعمل وكان معارضا للقياس رد عند مالك، ولا يرده مطلقا، والله أعلم.
    المبحث الرابع: معارضة الخبر لسد الذرائع

    سد الذرائع أصل معتمد عند مالك رحمه الله، كما ذكره عنه أصوليو المذهب وغيره، لكن لم أر من تطرق منهم لرد خبر الواحد من أجل سد ذريعة ودرء مفسدة.
    ولعلهم لم يلتفتوا ولا عرجوا على ذكره، لأن مالكا لم يثبت عنه اشتراط العمل بالخبر الآحاد إن لم يخالف أصل المنع من الذرائع، كما هو الحال بالنسبة لعمل أهل المدينة والقياس. وإنما خصصنا مبحثا لهذه القضية لوقوفنا أثناء جمع المسائل المخالفة للأخبار على ما يدل أن مالكا قد توقف في العمل بخبر الواحد لسد ذريعة تحققت عنده.
    وقياسا على باقي معارضة الأصول لخبر الواحد يمكننا أن نقول بأن مدرك مالك في هذا الأمر هو كون الذريعة محققة، معارضا لظنية خبر الواحد، وقد علم أنه لا يقدم ظني على قطعي.
    فإن قيل: ولِمَ قَلَّت المسائل التي قدم فيها مالك أصل سد الذرائع على خبر الواحد.قلنا:
    الظاهر أنه لم تتحقق عنده الذريعة في بعض تلك المسائل.أو أنه لم يبلغه الحديث أصلا، كما سنبينه إن شاء الله في بابه من قسم التطبيق الآتي.

    المبحث الخامس:عدم علم مالك بالخبر

    إذا كانت بعض الأخبار مخالفة عند مالك لمعارضتها للأصول القطعية عنده، فإن أقوالا كثيرة عنده جاءت على خلاف الثابت في بعض السنن لكونه لم يعرفها ولا سمعها.
    ثم قلد مالكا في قوله ذلك بعض أتباعه بناء على حجة باطلة عندهم، وهي دعوى أن الأئمة لا يمكن أن يخفى عليهم دليل من أدلة الأحكام،ولا يجوز أن تعزب عنهم سنة من سنن النبي عليه الصلاة والسلام. وعليه-كما قالوا- فإذا خالفوا الحديث أو خالفه بعضهم فالواجب تركه والعمل بما قالوا لأنهم لم يخالفوه إلا لدليل اقتضى ذلك.
    وهذا زعم باطل، عن الدليل عاطل، إذ لو كانت إحاطة شخص واحد بالسنة ممكنة لكان حفاظ الحديث وجهابذته أجدر من يتصف بها لأنهم جعلوا رواية الحديث همهم وخصصوا لها وقتهم ووجهوا عنايتهم ولم يشتغلوا بغيرها من معاناة النظر في الأحكام وأدلتها وصرف وقت غير قليل في ذلك كما هو شأن الأئمة، بل كان وقتهم مقصورا على رواية السنة وجمعها حتى كانوا يعانون مشاق الرحلات الطويلة البعيدة المدى ومفارقة أهلهم ووطنهم في سبيل ذلك. ولهذا كان في أتباع الأئمة - غير الإمام أحمد - من هذا الصنف من هو أكثر منهم حفظا وأوسع اطلاعا على السنة...
    ومع هذا فلا يوجد أحد من أولئك الحفاظ الذين تصدوا لجمع السنة وحفظها أحاط بالسنة كلها، بل ما من أحد منهم إلا وعنده من السنة بعض ما ليس عند غيره .
    وقد صرح ابن تيمية في "رفع الملام " إلى شبيه هذا فقال: "وليعلم أنه ليس أحد من الأئمة المقبولين عند الأمة يتعمد مخالفة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في شيء من سنته فإنهم متفقون اتفاقا يقينيا على وجوب اتباع الرسول صلى الله عليه وآله وسلم وعلى أن كل أحد من الناس يؤخذ من قوله ويترك إلا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، ولكن إذا جاء لواحد منهم قول قد جاء حديث صحيح بخلافه فلا بد له من عذر في تركه، وجميع الأعذار ثلاثة أصناف:
    أحدها: عدم اعتقاده أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قاله.
    الثاني: عدم اعتقاده إرادة تلك المسألة بذلك القول.
    الثالث: اعتقاده أن ذلك الحكم منسوخ.
    وهذه الأصناف الثلاثة تتفرع إلى أسباب متعددة:
    السبب الأول: أن لا يكون الحديث قد بلغه، ومن لم يبلغه الحديث لم يكلف أن يكون عالما بموجبه، وإذا لم يكن قد بلغه وقد قال في تلك القضية بموجب ظاهر آية أو حديث آخر أو بموجب قياس أو موجب استصحاب فقد يوافق ذلك الحديث وقد يخالفه.
    قال: وهذا السبب هو الغالب على أكثر ما يوجد من أقوال السلف مخالف لبعض الأحاديث، فإن الإحاطة بحديث رسول الله عليه وآله وسلم لم تكن لأحد من الأمة..." انتهى المراد منه.
    ثم إنه ورد صريحا عن الأئمة عدم وقوفهم على سنن وأحاديث كثيرة نذكر بعضها تمثيلا:
    1- ذكر ابن قتيبة في "تأويل مختلف الحديث " قال: "روى أبو عاصم عن أبي عوانة، قال: كنت عند أبي حنيفة فسئل عن رجل سرق وديا فقال عليه القطع.
    فقلت له:حدثنا يحيى بن سعيد، عن محمد بن يحيى بن حبان، عن رافع بن خديج،قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: "لا قطع في ثمر ولا كثر " فقال:ما بلغني هذا".اهـ
    2- سئل مالك بمحضر ابن وهب عن تخليل أصابع الرجلين في الوضوء فقال: ليس ذلك على الناس. فقال ابن وهب: فتركته حتى خف الناس،فقلت له عندنا في ذلك سنة. قال:وما هي؟ قلت: حدثنا الليث بن سعد،عن زيد بن عمرو المعافري، عن ابن عبد الرحمن الحلي، عن المستورد بن شداد القرشي،قال: رأيت رسول صلى الله عليه وآله وسلم يدلك بخنصره ما بين أصابع رجليه .فقال مالك: إن هذا حديث حسن وما سمعت به إلا الساعة.
    3-وفي "المدونة" أن مالكا قال: لا أعرف قول الناس في الركوع "سبحان ربي العظيم" وفي السجود "سبحان ربي الأعلى". وهذا يدل على أنه لم تبلغه الأحاديث الكثيرة الواردة في هذا الباب كما سنذكرها في القسم الثاني.
    وعلى هذا فإن كل حديث لم يقل بموجبه مالك وثبت أنه لم يبلغه، وكان حكمه موافقا لأدلته وأصوله التي أخذ بها فهو مذهبه، ولا يصح القول بخلافه.كما يدل عليه ظاهر صنيع المحققين في المذهب كابن عبد البر وابن العربي وغيرهما.
    وإن كان معناه مخالفا لتلك القواعد والأصول التي رضيها مالك، وشهد له بصحتها القريب والبعيد، فلمجتهد المذهب أن يقول بخلافه ويفتي بغير موجبه.
    وهذا تمام القسم الأول من هذا البحث. ولنشرع الآن في المقصود وهو مناقشة الأخبار المخالفة في المذهب مرتبة ترتيبا فقهيا والله المستعان.

      الوقت/التاريخ الآن هو الإثنين أكتوبر 23, 2017 11:49 pm